لا لحظر النشر .. لا لتقييد الصحافة
يحدث الآن

أحلام شحاته تكتب … ثـمــن الـغـيــــاب

 ثمــــن الغــيـــــاب

12736442_1688051418132056_1454796273_n


يخطئ الزوج كل الخطأ عندما يجعل من نفسه مجرد ورقة بنكنوت في يد أسرته ويعتقد أنه كالشمعة التي تحترق من أجل أن تضيئ لمن حولها . في الحقيقة كلهم يحترقون فالزوج يترك زوجته و أولاده وكل أهله و يسافر ليوفّر لهم حياة كريمة وذلك بالملابس الفاخرة النتموعة والأجهزة الكهربائية المتطورة و الأموال التي تجعلهم مترفين، فيواجه الغربة المميتة القاتلة بكل تحدياتها فيخدم نفسه بنفسه وكأنه أعزبا يطبخ طعامه و يغسل ملابسه ويعمل و يكدّ ويتعب وإذا مرض لا يجد من يناوله الدواء ، والغربة لا ترحم ، يصير كالآلة التي يجب ألاّ تتوقف حتى لا يجعل من نفسه أضحوكة في فم الجميع وفي المقابل تعيش أسرته حياة تفتقد إلى الدفء الأسري ومشاعر الحب والمودّة و الرعاية فتصير جدران البيت باردة ، و تصبح الأشياء بلا طعم أو معنى ، يعيشون في ملل و كآبة فلم يعد يسعدهم المال الذي حرمهم من رجل البيت و حرمه منهم ولم تعد لها معنى تلك الملابس و لا الأجهزة الحديثة التي كانت ثمنا لها هذه الغربة و هذا الغياب فتذبل الزوجة يوما بعد يوم كالشجرة التي أطلّ عليها الخريف فجعلها خالية من الأوراق و تموت بداخلها مشاعر الأنوثة ، تشعر و كأنها أرملة لأنها تحمّلت فوق طاقتها بالقيام بدور الأم و الأب معا ، فتحلّت بصفات الرجل حتى يتسنى لها مواجهة أمواج الحياة العاتية بدءا من صحة الأولاد وطعامهم وشرابهم ورعايتهم و دراستهم و حتى نتيجة الإمتحانات في مراحل التعليم المختلفة وحل مشاكلهم خاصّة المشاكل العاطفية التي تحدث في مرحلة المراهقة تلك المرحلة الحرجة التي يحتاج فيها الأولاد لحنوّ الأم و حكمة الأب حتى تمرّ بسلام و أمان و لكن للأسف دور الأب مهمّش جدا فهو يحضر لبضعة أيام كل عام أو عامين كضيف غريب و ما أن يعتادون عليه حتى يدقّ ناقوس السفر و الغياب ويلحّ عليه تاريخ الرجوع المدوّن في جواز السفر فيتركهم يواجهون غربتهم أيضا ويشعرون بالضياع و كأنه مجرد طيف مرّ عليهم أو سحابة صيف، ومن المؤسف و المحزن أن يفقد هذا الأب عمله أو قد يعمل و لا يحصل على أجره لأي ظرف من الظروف فيفتقر هناك وهم يفتقرون هنا و لعنون الغربة ومن أشار بها عليهم وعندما يعود لوطنه ليستقرّ به وليهنأ بأهله .. يجد نفسه محطما وقد شاب شعره وسطّر الزمان على وجهه خارطة الرحلة بكل تفاصيلها مثله كمثل الرجل الذي دخل مغارة في أول النهار ليغرف منها كنوزا وعندما عاد آخر اليوم وجد أن ظهره انحنى ولم يعد يقوّ حتى على حمل الكنز فجلس على صخرة يبكي ترى ؟! لو عاد به الزمن؟ للوراء سيختار الغربة؟! أم العيش مع أسرته ؟! .


*
بقلم / أحلام شحاته

* شاعرة وأديبة مصرية

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *