يحدث الآن

العراق .. من “الدولة العميقة” إلى الأكثر عمقاً!


ليس مفاجئاً في العراق أن تسعى طبقة سياسية وبرلمانية نتجت عن انتخابات حاصرتها الشكوك وطعنت بها المقاطعة الشعبية غير المسبوقة، إلى محاولة تكريس وجودها في قلب الدولة ربما لعقود مقبلة، عبر تأصيل مئات المناصب الاساسية في المؤسسات المدنية والعسكرية التي يتم الحراك في الغرف المغلقة لتوزيعها بطريقة “قسمة الغرماء” على أحزاب فشلت في تحقيق إنجاز تشريعي مثمر، وعجزت حتى عن إكمال الكابينة الحكومية.

يجري ذلك تحت سقف الاستحقاق الدستوري بضرورة التصويت البرلماني على المناصب الخاصة في الدولة (نحو 400 منصب) ونقلها من نظام التعيين بالوكالة الذي ساد خلال السنوات الخمس عشرة الماضية إلى الانتخاب عبر البرلمان، وهو الأمر الذي تشير التقارير والتسريبات الإعلامية إلى أنه يأتي في نطاق استكمال ما يسمى صفقة “سائرون – الفتح” التي شكلت حكومة عبد المهدي الحالية، وأثارت ومازالت الأسئلة حول طبيعتها وحدودها.

واختصاراً فإن انقسام الطبقة السياسية إلى كتلتين رئيستين هما “الإصلاح” و”البناء” كان قد تحول من كونه خطوة متفائلة لتجاوز نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، إلى إعادة إنتاج للمحاصصة نفسها عبر تشكيل حكومة من دون ائتلاف حزبي أو كتلة أكبر واضحة، وراعية، تتحمل المسؤولية، كما هو مفترض، وجرى الحديث عن اتفاق جانبي بين جهتين هما “سائرون” عن “ائتلاف الإصلاح” و”الفتح” عن “ائتلاف البناء”، وفجأة صار ممكناً الحديث عن اتفاق شامل ليس معروفاً ماهي حدوده ولا طبيعته وإذا كان يشمل الائتلافين معاً بما يسمح بإطلاق وصف ” ائتلاف حكومة وحدة وطنية” أم أنه يشمل “سائرون” و”الفتح” فقط، ما يعني عملياً تشكيل ائتلاف ثالث مختلف تماماً وغير معلن.

لم يتم الأمر كما حلم المتفائلون بإمكان التخفيف من طعون مقاطعة الانتخابات، والخلاف حول موضوع الكتلة الأكبر، بل تم وفق صيغة غامضة سمحت كما يبدو أن تركز القوى السياسية جهودها في هذه المرحلة على الحصول على العدد الأكبر من مناصب الدولة، وتحويل هذه المناصب إلى سفينة إنقاذ لأحزاب تقاوم للبقاء وسط رفض شعبي متواصل.

لا يتعلق السؤال بتطبيق السياق الدستوري الذي يشترط منح الشرعية البرلمانية لمناصب الدولة الأساسية أو ما يطلق عليها “الدرجات الخاصة” ، والتي اتـُّهـِم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي بتوزيعها بالوكالة على أعضاء حزبه (الدعوة) أو المقربين منه بمحاولة إنتاج “الدولة العميقة”، بل إن السؤال الأساسي مفاده :”هل تمتلك القوى الحالية الحق بمحاولة إبدال دولة الوكالة العميقة، بدولة أصالة أكثر عمقاً؟!”.

واذا كان من الممكن بعد انتخابات العام 2022، التي يأمل الجميع أن تكون أكثر نزاهة ومشاركة وتعبر بالفعل عن توجهات الشارع العراقي، إعداد خريطة مهنية بالمناصب الأساسية للدولة، فإن تلك المهمة ستكون شبه مستحيلة في ظل تأصيل نظام المحاصصة بالطريقة التي تجري في الكواليس اليوم.

بعد عام تماماً من الجدل والاعتراضات والشكوك بنزاهة الانتخابات العراقية التي جرت في أيار/مايو 2018 وشهدت أكبر نسب مقاطعة شعبية منذ 2003، تكشف وثائق المحكمة الاتحادية العراقية أن 12 نائباً برلمانياً قد يتعرضون لنزع عضويتهم بقرارات قضائية، بعد الكشف عن خلل في نظام احتساب الأصوات!، فيما يصبح الإنجاز الأبرز للبرلمان الذي لم يكمل تشكيل لجانه حتى الآن قرارا مثيرا للجدل بحظر لعبة “بوبجي”!

إن الاعتراض الذي يسجل في هذه القضية، يخص العشرات من قوانين تأسيس الدولة غير المكتملة، والتي نشهد مساع للقفز عليها من أجل حصول الأحزاب الحالية على أكبر حصة من المناصب المدنية والعسكرية.

سيضطر صوت المصلحة العراقية العليا، للقبول بصفقة محاصصة مؤقتة لتوزيع تلك المناصب بالوكالة مع أفق مفتوح لتغييرها مع اكتمال بنية الدولة، على منح الأصالة لنظام المحاصصة الطامح للشرعية الدائمة، والنفخ في صدور أحزاب تعرف قبل غيرها أن الزمن لا يسير لصالحها.
ـــــــــــــــــــــ

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *