ديسمبر 13, 2019

يحدث الآن

“العرب” .. ونصف صفقة القرن

لن يمرّ هذا المُخطّط اللعين، ولم تعد الشعوب العربية تعوِّل على هذه الأنظمة الخانِعة، ويبقى الحل الوحيد هو باستمرار المقاومة طالما هناك مَن يحملون السلاح، ويواجهون العدو الإسرائيلي والهيمنة الأميركية، ومَن يرفضون كل تطبيع، ومَن يرون أن أميركا ليست قدراً للشعوب العربية، وأن ما أُخِذ بالقوّة لا يُستَردّ إلا بالقوّة، وأن مصير أوطاننا و”مصير المنطقة تقرّره الشعوب مهما تعاظمت التحديات”

على الرغم من انحياز الولايات المتحدة الأميركية المُطلَق للكيان الإسرائيلي وخسارة دورها كوسيطٍ في الشرق الأوسط ، إلاّ أنها ماضيةٌ في الاسئتثار بعملية السلام من بوابة الاستسلام، بعدما غزت جيوشها الأصيلة والوكيلة وعملاؤها معظم دول العالم العربي، وفرضت هيمنتها وإرادتها على حكومات وعروش التخاذل العربي، وسعيها الدائم لحصار دمشق وطهران، وتضييق الخناق على أحزاب وحركات وفصائل المقاومة … وبعدما نقلت سفارتها إلى القدس واعترفت بها عاصمة ً ل “إسرائيل”، وبقرار اعترافها بالضمّ الإسرائيلي للجولان السوري المحتل، وعبر عشرات المواقف الناسِفة لأيّ حل وأيّ سلام في المنطقة ….

وبعد تعويمها ودعمها لفوز نتنياهو وتحالف اليمين، جاء دور إعلانها عن بنود صفقة القرن – كما وعدت -…. ولحينها لا زالت تحافظ على سرّية تلك البنود خاصةً السياسية منها، وكل ما أفصحت عنه، هو تلك العبارات المُبهَمة التي قدّمتها لأدواتها العربية ولخّصها غاريد كوشنر بأربع كلمات: الحرية، والكرامة، والأمن، والإزدهار الإقتصادي، من دون أية شروحات أو توضيح، إذ فضّل اعتماد السرّية “خشية تسرّب التفاصيل قبل نضوجها”– بحسب كوشنر-، وبقي للعرب أن يوافقوا على أيُّ نفقٍ مُظلِم يسير فيه العرب خاصة ًممّن يعتقدون أنهم شركاء وحلفاء للولايات المتحدة الأميركية وأنهم أصدقاء الرئيس ترامب وصهره … وأية صفقةٍ كُلّفَ بها وليّ العهد السعودي وجاره إبن زايد وبالترويج لها وبإقناع السلطة الفلسطينية بها، وأيُّ سلامٍ وحقوق سيستعيدها الرئيس الفلسطيني سِلماً ! … وبكل بساطة العرب لا يعلمون شيئاً عن صفقة القرن، فقد أعلنوا موافقتهم على مبدأ تبادُل الأراضي وسال لُعابُهم على المشاريع الإقتصادية التي تمّ الحديث عنها على الورق فقط، وأعربوا عن تأييدهم وترحيبهم بالتطبيع وبفوز بنيامين نتنياهو في الانتخابات، واكتفوا برفضٍ لفظي لقرار ضمّ الجولان السوري المحتل، ودعموا موقفهم بتأكيد رفضهم عودة الدولة السورية إلى الجامعة العربية – حالياً -.الصفقة الغامِضة، التي عُرِض عليهم جزءٌ من تفاصيلها الإقتصادية فقط!

وكيف لهم أن يعرفوا، فبحسب موقع صحيفة “أكسيوس -Axios” الأميركية “أن هناك ستة أو سبعة أشخاصٍ في أميركا فقط يعلمون تفاصيل الشقّ السياسي المُتعلّق بصفقة القرن، وأن الإدارة الأميركية لم تُطلِع “شركاءها” العرب سوى على الشق الاقتصادي منها”، وذلك خلال جولة كوشنر الأخيرة في المنطقة، وأنه لم يكشف عن التقسيم المُقترَح للأرض أو وَضْع مدينة القدس ، أو إذا ما كانت (الصفقة) ستدعم إنشاء دولةٍ فلسطينية…

وهذا يُفسِّر مخاوف وارتباك بعض الدول العربية كالسعودية والإمارات والأردن والسلطة الفلسطينية ذاتها ….

ويُفسِّر نفي الرئيس المصري وجود مثل هذه الصفقة واعتباره أن التسمية نابعة من أهمية وحجم القضية الفلسطينية، فيما عاد العاهل الأردني من زيارته الأخيرة إلى واشنطن وهو غير راضٍ عن مستوى التشاور ويشعر بالإحباط على الرغم من اجتماعاته العديدة مع كبار المسؤولين في إدارة ترامب، ويقول – بحسب الصحيفة -: إن “البيت الأبيض لم يعطه أية رؤيةٍ حول الجزء الأشدّ خطورة من خطة السلام”، والكيفية المُقترَحة لتقسيم الأراضي الإسرائيلية والفلسطينية ….

وتوّلد لديه الشعور بأن الصفقة إقتصادية أكثر منها سياسية، وأنه يعتقد أن خطة ً اقتصادية من دون خطةٍ سياسية ليست كافية…

في حين أكّد مسؤول كبير في البيت الأبيض: إنها “ليست مُجرّد خطة اقتصادية فقط ونحن نفهم أنه إذا كان الجانب السياسي لا يعمل، فالجانب الإقتصادي لن يخلق السلام”… “لكن، الجانب السياسي لن ينجح من دون خطة إقتصادية مهمة لتعزيز حياة الفلسطينيين وحياة الآخرين في المنطقة”.

وبانتظار أن يعلن قريباً الرئيس ترامب عن صفقة القرن والتي يدعوها “خطة السلام”، يتوجّس الأوروبيون ويعبّرون عن مخاوفهم من أن تسير الخطة بعكس مصالحهم ، فسيضطرون إلى البحث عنها بعيداً عن الركب الأميركي!… وعلى الحكومات العربية مصارحة شعوبها، بتأكيد أو نفي إطّلاعها على كامل الصفقة أو نصفها فقط، فالشعوب لن تتسامح مع كل مَن يُفرّط بالمصير والحقوق والأرض، وستكون عوناً و دعماً لكل مَن يحافظ عليها.

إن استبعاد الشقّ السياسي من التداول يؤكّد رغبة واشنطن في الإستئثار برسم خريطة المنطقة والإبتعاد عن أساسها وجوهرها هو الإحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، بعد جولةٍ حامية من تفكيك الدول العربية ودفع المُتخاذلين نحو الحضن والفلك الإسرائيلي.

كذلك يأتي تأكيد صحيفة ال “واشنطن بوست” بأن: “صفقة القرن” تتضمّن تحسين ظروف حياة الفلسطينيين ولا تتضمّن إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ولا تستند إلى حل الدولتين، وأنها تركِّز على الاحتياجات الأمنية لإسرائيل.
وهذا ما يؤكّد نِفاق ومُراوغة الرئيس دونالد ترامب الذي لطالما تحدَّث عن حلّ الدولتين، وعن تنازلات مُتبادَلة من الطرفين، وأن واشنطن لن تسعى لإملاء الشروط لحل النزاع ، بل ستدعم أيّ إتفاق يتوصّل إليه الطرفان، فقد وجّه بهذا الكلام إشارة ً قوية لانفتاحه وقبوله بحل الدولة الواحدة التي يطرحها الفلسطينيون ، وقد سبق للسيّد صائب عريقات قوله : ” إن البديل الوحيد لحل الدولتين هو دولة ديمقراطية واحدة وحقوق متساوية للجميع، للمسيحيين والمسلمين واليهود” … لكن الرئيس ترامب لم يتوقّف عن المُراوَغة وأعلن لاحقاً في الإجتماع السنوي لزعماء العالم في الأمم المتحدة بأنه: “يروق لي حل الدولتين. وأعتقد أنه الأفضل”… ويبقى كلامه الهام ذاك الذي أطلقه عشيّة اعترافه بالقدس عاصمة ً لإسرائيل:” أعتقد أن إسرائيل تريد فعل شيء وأن الفلسطينيين يريدون فعل شيء”.

من الواضح أن الرئيس الأميركي يسعى إلى التمسّك بجني “الإنجازات”، وعينه على الفوز بولايةٍ رئاسيةٍ ثانية، لذلك يلجأ إلى الحفاظ على الدعم والحشد الكامل الذي يتلقّاه من التيار المسيحي الإنجيلي والإيباك الصهيوني، ولن يتهاون مع مُعرقليه سواء من الأدوات أو الأعداء، وقد يستمر بضغوطه وبعقوباته على مصر من بوابة صفقة الطائرات الروسية “سو – 35″، وصفقة ال S400 التركية – الروسية، وإعادة إحياء ملف الخاشقجي. كذلك بقراره ضمّ الجولان السوري، ومُحاصَرة إيران والضغط على المقاومة اللبنانية والفلسطينية.

 

الكاتب السورى :ميشال كلاغاصي

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *