لا لحظر النشر .. لا لتقييد الصحافة

ديسمبر 10, 2018

يحدث الآن

تقرير | كيف تغيّرنا بعد سبع سنوات #انتخابات

يجوب محمد* سائق التاكسي ذو الـ 53 عامًا شوارع الدقي بسيارته في ثاني أيام الانتخابات، ويهز رأسه امتعاضًا كلما مرّت سيارة محملة بسماعات تصدح بالأغاني المؤيدة للرئيس عبد الفتاح السيسي، والأخرى الداعية للمشاركة بالانتخابات. تبدو الحماسة التي شارك بها في الانتخابات بعد 2011 ذكرى بعيدة، بينما يحاول أن يقرر أي الخيارين أقل مرارة: أن يشارك في الإنتخابات والتي يراها بمثابة مسخ ويعبر عن رفضه للرئيس، أو أن يمتنع عن الإدلاء بصوته وهو ما حرص عليه حتى أيام الرئيس الأسبق حسني مبارك، أملًا في تغيير محتمل. لكنه الآن لا يجد الدافع: «حاسس لو انتخبت أو مانتخبتش مش هتفرق».

لا يشبه المشهد الانتخابي الحالي الأجواء التي خلقتها الثورة، وجعلت الناخبين يهرعون لصناديق الاقتراع حول استفتاء لتعديلات دستورية عام 2011، وهو أول استحقاق انتخابي بعد الثورة شمل تعديلات تضع حدًا لمُدد الرئاسة، وتُرجأ كتابة دستور جديد لما بعد الانتخابات البرلمانية، ضمن أشياء أُخرى. ولم يكن الزخم الانتخابي بالضرورة لأهمية الاستفتاء في ذاته، ولكن احتفاءً بصوتهم الذي أصبح أخيرًا قادرًا على التغيير.

انعكست الآية هذه المرة، فبدا مؤيدو ومعارضو السيسي متفقين على شيء واحد: نتيجة الانتخابات محسومة بغض النظر عن مشاركتهم، ولكّن المؤيدين رأوا في مشاركتهم واجب، أقرب للرمزية، تجاه الرئيس وشكل آخر من الأشكال العديدة التي طالب بها في لحظات مختلفة منذ 2013 لاحتشاد الشعب خلفه وتفويضه تثبيتًا لسلطته.

ماذا حدث لسحر التصويت؟
أعقبت ثورة 2011 سلسلة من دعوات الاقتراع في خضم محاولات بناء دولة ما بعد يناير 2011، أو على أقل استدعاء شكل السلطة الجديد. خلال سبع سنوات تبدّل حماس الناس للمشاركة بين الحفاوة بمشاركتهم مع الدعوات للاستفتاء على تعديل دستوري في مارس 2011، ثم انتخابات برلمانية في العام نفسه، أعقبهما انتخابات رئاسية، ثم استفتاء على دستور، فاستفتاء آخر على دستور آخر، مقارنة بالفتور الذي واكب انتخابات الرئاسة 2014، وأخيرًا انتخابات البرلمان عام 2015.

«في انتخابات 2011 و2012، كان أغلب المشاركين متحمسين جدًا ومهتمين بالمشاركة بشكل واضح. كان الكثيرون يصوتون للمرة الأولى. كان الناس جادين بشأنها وكان لديهم الأمل الكبير للتغيير، ولذا كانت الانتخابات مهمة بالنسبة إليهم» تقول سلمى*، 37 عام.

تباينت الأجواء التصويتية بشكل كبير منذ فترة ما قبل الثورة. فأجواء التزوير التي شابت آخر انتخابات فاز بها الحزب الوطني عام 2010، انتفت في الانتخابات اللاحقة للثورة. وأجواء التنافس الشديد التي شوهدت في انتخابات برلمان 2011 وانتخابات رئاسة 2012، انقطعت عن الانتخابات الرئاسية لعام 2014 التي اكتسحها السيسي ضد منافسه الوحيد حمدين صباحي، كما انقطعت عن الانتخابات الحالية، فلم ينافس عبد الفتاح السيسي إلا سياسي يكاد لا يعرفه أحد، رشّح نفسه في آخر دقيقة.

وكانت نسبة المشاركة في أول انتخابات 2011 لاختيار البرلمان 66.5%، وانتخابات جولة الإعادة في انتخابات سنة 2012 الرئاسية 51.8%، ثم بقيت أسفل الـ50% في الانتخابات اللاحقة لها.

يقول أكرم إسماعيل، المهندس والناشط السياسي اليساري، والذي لن يشارك في الانتخابات الجارية، إنه يحب الانتخابات، ويرى مشاركته في أغلبها ينبع من إيمانه بأنها ممارسة ترسّخ لأي عمل سياسي يقوم به المجتمع.

كان الاستقطاب السياسي الحاد أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت بجموع المواطنين للاشتراك بالانتخابات اللاحقة للثورة بحسب إسماعيل، الذي يشرح أن ذلك الاستقطاب لم يكن بالضرورة شيئًا جيدًا من الناحية السياسية، لكنه كان ضروريًا لخلق قوى سياسية حقيقية تستطيع المشاركة في حكم مصر وصياغة سياساتها.

يوضّح إسماعيل أن الحماس الشديد الذي انتاب أغلب الناخبين كان أحد أسبابه الرئيسية أن السؤال المحوري كان لدى الكثيرين هو مَن يجب ألا «يخطف» البلد، أي أن الكثيرين انتخبوا كي لا يحكم الإخوان، وآخرين كي لا يحكم النظام القديم وهكذا.

«لم تبد الانتخابات في أوقات كثيرة خيارات متنوعة، أو ممارسة ديمقراطية بقدر ما كانت تهديدات كبيرة، كان لهذه العملية جمهور، الإخوان شاركوا مع جمهورهم، ومَن كانوا ضد المشروع الاسلامي شاركوا. لم تكن معركة ديمقراطية يتفق المجتمع على قيمه الأساسية فيها لا، كان التصويت كأنه تصويت على التأسيس الجديد» بحسب تعبير إسماعيل.

ورغم ذلك، يرى إن الإقبال على التصويت كان تطورًا إيجابيًا رغم المخاوف التي ولّدها من حيث إمكانية استبداد الفائزين مثل سلفهم.

يؤكّد إسماعيل أن للانتخابات دلالة كبيرة، ظهرت في انتخابات الرئاسة 2012 والاستفتاء على الدستور في العام نفسه، فأضحى جليًا أنه من الممكن أن يحدث تنوع شديد جدًا في المزاج التصويتي.

في انتخابات 2012 الرئاسية، تصارع في أول انتخابات تعددية في تاريخ مصر ممثلون لتيارات سياسية قوية، وشخصيات سياسية نافذة فتضمن السباق: عبد المنعم أبو الفتوح، وعمرو موسى، وحمدين صباحي، وخالد علي، وغيرهم، بالإضافة لأحمد شفيق ومحمد مرسي الذين وصلا لجولة الإعادة.

يؤكّد الناشط السياسي أنه خلال الانتخابات أيضا تبيّن للإخوان أن شعبيتهم ليست حاسمة، حيث قلّت المشاركة في استفتاء الدستور الذي وضعوه وواجهه معارضوهم.

«من خلال الانتخابات، تصبح السياسة مرآة لتطورات المجتمع والتيارات والأمزجة التي بداخله، ويتمّ بلورة رؤى هذه التيارات من خلالها، فهي التي يخرج الجماعة السياسية قبلها لمناقشة الناس ويحاولون إقناعهم بأفكارهم، هذا لن يحدث بدون تقليد انتخابي راسخ ومستمر» بحسب تعبير إسماعيل، الذي يرى أن السبب الرئيسي وراء انعدام هذا التقليد في الوقت الحالي، رغم إجراء الانتخابات، هو أن الدولة «أممتها» لصالح مرشّح واحد.

يقول إسماعيل إن قمع الدولة للصحافة والمظاهرات والتحركات الشعبية والإضرابات يعني أنه لا وجود للانتخابات، فهي تحاصر الناس وتمنع ممارستهم لإرادتهم على جميع المستويات، ويؤكد: «عندما تجعل الانتخابات مثل الانتخابات البائسة التي نشهدها الآن، فأنت في الحقيقة تقتل السياسة»، ويرى أن هذا نُضوب الحماس طبيعي نتيجة لذلك.

حماس اليوم للانتخابات بلا سياسة، لكنه راقص
تظهر محاولات الدولة ومَن يؤيدون الانتخابات الحالية في تصدير شكل من الحماس يتمثل في وصلات الرقص أمام لجان التصويت، وهو المشهد المصاحب لانتخابات 2014 أيضًا.

أثناء متابعة الإنتخابات، وجدنا عروض عمل تمّ نشرها على مجموعة فيسبوك مخصصة للعارضات، ومَن يعملن في الاستقبال في المؤتمرات كذلك. العروض موجهة لفتيات للوقوف أمام اللجان الانتخابية مقابل 150 جنيه يوميًا. حاولنا إدراج صحفيتين للمشاهدة، إلا أن الأمر لم يكن مفتوحًا أمام الجميع، فطلب منّا صاحب العرض صورًا للراغبات في المشاركة، لكن يبدو أن الصور لم تكن في المستوى المطلوب، واُختيرت أخريات للمشاركة في عرض العمل، كن على الأغلب أكثر قدرة على إثارة حماسة الناخبين.‎

في مركز شباب روض الفرج، تصدح سماعات كبيرة بأغاني التأييد التي تمّ انتاجها خصيصًا للانتخابات. إحدى هذه الأغاني تُكرر عبارة الرئيس السيسي «ماتسمعوش كلام حد غيري» على أنغام أغنية «بلادي بلادي».

هنا تجمعت حوالي دستة سيدات تتراوح أعمارهن بين 70 و80 بعد التصويت، وتحدثن عن أهمية هذا الاستحقاق الانتخابي. «ده اللي حامينا وحامي بلدنا! البلاد اللي حوالينا اتدمرت واحنا لأ، الحاجة تغلى.. ترخص مش مهم، المهم الأمان». رغم اعتراف إحداهن بعدم حاجة السيسي للأصوات، إلا أنها رأت الانتخاب واجب وطني، ويجب معاقبة مَن يتخلى عنه: «السيسي كده كده هيكسب، اللي عايز ينتخب يتفضل واللي مش عايز المعتقلات موجودة».

عدّدن السيدات كل انجازات السيسي في فترته الأولى؛ بدءًا من توفير إسكان اجتماعي، إلى بناء الطرق والكباري الجديدة للقضاء على طوابير البنزين. ويظل دعم جهود محاربة الإرهاب، وحماية مصر من المتربصين بها السببان الأساسيان اللذان يقالا من قِبل المصوتين له.

الرقص والغناء والفن «السياسي» لا يعدا الآليات الوحيدة لحشد 2018. فقد شهدت الشوارع أساليب حشد متنوعة، تجلت في اليوم اﻷول للتصويت، الإثنين الماضي، ما بين عطايا عينية، وحوافز مالية، وإجازات، وتسهيلات تنقل، فضلًا عن وعود رسمية بتحسين للبنية التحتية لقرى كاملة.

ولا يغيب البعد الجيلي في الحماس لانتخابات الرئاسة. في أسرة أحد كاتبي هذا التقرير مثلًا، قفزت القوة المؤثرة في الإنتخابات جيلين، فبينما كان الأكثر حماسة للثورة من الشباب يحاولون استقطاب آباءهم للتصويت لمرشحيهم في 2011، تسلّمت الجدات الدفة هذه المرة. في أول أيام التصويت، قامت الجدة في هذه الأسرة بدورة مكالمات تليفونية لأبنائها وأحفادها لتتأكد من مشاركتهم جميعًا في الإنتخابات.

وذلك رغم عدم اهتمامها بالمشاركة السياسية من قبل، إلا أنها منذ تولي السيسي للرئاسة أصبحت تحث الأسرة على المشاركة في كل مظهر من مظاهر الدعم له بحرقة شديدة.

تقوم الجدة بذلك لإيمانها بأن توجيهات الرئيس للشعب بمثابة مهام يسندها لهم للمساهمة في محاربة الإرهاب، وهي واجبة التنفيذ.

اضطر كل أفراد الأسرة الذين شاركوا في الإنتخابات أن يرسلوا صورًا لهم بالحبر الفسفوري لتطمئن الجدة، وتهدأ حموتها.

ورغم أن الأغلبية العظمى من هذه الأسرة من داعمي السيسي، وشاركوا في الانتخابات، إلا أنهم تبادلوا النكات المنتشرة عن مبالغة الدولة والداعمين في محاولات إظهار دعم شعبي عظيم للرئيس، وعن كون هذه الإنتخابات تحصيل حاصل لنتيجة معروفة مسبقًا. ‎

وبالمثل لم يبدُ أن سائق التاكسي يتأثر بمحاولات خلق حالة من الحماس أيضًا، وعند سؤاله عما إذا كان سيشارك؛ لجأ للتنكيت أيضًا، فأجاب مشيرًا لرأسه الأصلع: «لما يطلعلي شعر هشارك في الانتخابات».

في شارع التحرير بحي الدقي، ينظر سائق التاكسي للعربات المحملة بسماعات والتي تمر على مدار اليوم ذهابًا وإيابًا، يرقص شاب أو اثنين على أنغام الأغاني المؤيدة للسيسي ويمتعض: «عربيات بتوّزع لحمة، وعربيات عليها ستات بترقص، هو عايزين يخلوا شكلنا عرة أكتر من كده؟».

التصويت كفعل سياسي في سياق غير سياسي
ولكن الشعور بواجب التصويت ليس حكرًا على المؤيدين، رغم التوقّعات بأن يشكلوا غالبية المصوتين، فتؤكّد سلمى أنها متمسكة بحقّها في التصويت، وأنها تمسكت به في الثماني انتخابات الماضية، وذلك رغم نُضوب الحماس الانتخابي منذ عام 2011. تقول سلمى إن التصويت مهم لأنه يضمن، ألا يزوّر أحد صوتها، فهي تعتبر الذهاب إلى لجنة الاقتراع نوعًا من الرقابة الشعبية.

وبينما تعبّر سلمى عن عدم اقتناعها بالخيارات المتاحة والأجواء السياسية المصاحبة للانتخابات، لكنها تعتبر أن مشاركتها طريقة إيجابية، ونشطة لتسجيل عدم رضائها، ولذا فقد أبطلت صوتها.

وتستطرد قائلة: «يمكن القول بإن الإبطال لن يحدث فارقًا، لكنه يريحني نفسيًا حين أشعر أنني شاركت في الإجراء الدستوري وحاولت توصيل رسالتي بأنني لست راضية، ولست سعيدة».

وفي يناير الماضي، دعت مجموعات سياسية ديمقراطية وشخصيات عامة لمقاطعة الانتخابات لما رأوه تفريغًا للساحة السياسية من أي منافسة حقيقية.

ولم تقنع الدعوات سلمى، التي تقول إنها ليست ضد المقاطعة في المطلق. ولكنها تشترط أن تكون محكمة التنظيم لتقول رسالة واضحة. وهو ما لا تراه متوفرًا الآن، ويشاركها في الرأي الصحفي المصري أليكسندر بوتشانتي، الذي يؤكّد أن دعوات المقاطعة التي شهدتها مصر في السنوات الماضية لم تنجح.

«عندما رأينا إحجامًا عن التصويت من قبل، لم يكن السبب ورائه دعوات المقاطعة»، بحسب تعبير الصحفي، وتابع: «أنا أفضّل المشاركة والتعبير عن الرفض حتى في الظروف الحالية وحتى إن كانت النتائج متوقعة».

يسرد بوتشانتي رواية سمعها عن شخصين أبطلا أصواتهما بكتابة اسم لاعب الكرة المصري المحبوب محمد صلاح على إستمارات الاقتراع، ويقول إنه أحب ذلك.

ويعبّر الصحفي عن إيمانه بدلالة الأصوات الباطلة والأصوات الذاهبة لمنافس السيسي: «مؤشرات الأصوات الباطلة تقول إنها لـ6% من الناخبين، وهذا ليس رقمًا صغيرًا، أما المرشح، فأنا لا أمانع أن يأتي مرشح مجهول ويحصل على مليون صوت».

* تمّ تغيير أسماء بعض المشاركين في الموضوع بناءً على طلبهم.

مدى مصر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *