لا لحظر النشر .. لا لتقييد الصحافة

أكتوبر 17, 2018

يحدث الآن

تقرير.. من المحيط إلى الخليج.. الأزمة الاقتصادية تجمعنا!

مصر

رضا صوايا:

في أوبريت «الحلم العربي» الشهيرة جملة تلخص الواقع العربي بأكمله. الجملة تقول «قدر العصفور طيران… وقدرنا نغني اغاني». بعد أن قضى العرب وقتهم بالغناء فرحين بأسعار النفط المرتفعة واستقرار الانظمة الذي كان يفترض أن يؤمنه الغرب مقابل الولاء والتبعية، اذا بالربيع العربي وانهيار اسعار النفط يعرّيان الدول العربية ويكشفان المستور الاقتصادي.

سوريا: حلم عام 2010!

يصعب ايجاد معطيات وارقام إقتصادية دقيقة في ظل الوضع الامني الحالي في سوريا. بناء على ما هو متوافر، فان مستقبل الاقتصاد السوري قاتم وصعب. اذا اعتمدنا على الارقام المجردة، يكون عام 2016 هو الافضل في تاريخ سوريا الحديثة. فموازنة 2016 التي بلغت 1980 مليار ليرة سورية هي الاكبر منذ صدور القانون المالي الاساسي للدولة عام 1967.
لكن معدلات التضخّم الكبيرة الهائلة تعرّي هذه الموازنة من «ضخامتها» وتجعل منها مجرد عملاق من ورق. فوفقاً للاحصاءات الرسمية، قد يتخطى معدل التضخم 422% مع نهاية هذا العام، مقارنة بعام 2010 اي قبل بدأ إندلاع الاحداث، فيما التقديرات غير الرسمية تشير الى ان المعدلات قد تتخطى 600%.
اذا افترضنا جدلاً، في ظل المأساة اليومية التي يعيشها الشعب السوري، ان سنة 2010 هي اقصى ما يطمحون بالعودة اليه، مع أخذ الارقام الرسمية في الاعتبار، يُفترض ان تزيد موازنة العام 2016 بأكثر من 4 اضعاف عما كانت عليه في 2010 كي تبقى القدرة الشرائية للمواطن السوري هي عينها. وبالتالي يفترض ان تكون موازنة 2016 نحو 3140 مليار ليرة سورية، بما ان موازنة 2010 كانت 745 ملياراً… وهذا كي يعيش السوري في عام 2016 على انه العام 2010! اما اذا اعتمدنا الاحصاءات غير الرسمية فيكفي ضرب الارقام بـ 6 لنكتشف كم ان العام 2010 بعيد المنال.

العراق: كساد اقتصادي

وفقاً للجنة المالية في البرلمان العراقي، يتوقع انتقال الاقتصاد العراقي هذه السنة من مرحلة الانكماش الى الكساد، نظراً لصعوبة تحقيق ما هو مخطط في الموازنة من واردات متوقعة تقدر بـ 71 مليار دولار بسعر 45 دولاراً لبرميل النفط.
وتجدر الاشارة الى ان انخفاض دولار واحد يطرأ على سعر برميل النفط يؤدي الى زيادة العجز مليار دولار اضافية. فكيف اذا صدقت التوقعات الاكثر تشاؤماً ووصل سعر البرميل الى 30 دولاراً؟

الاردن بين النفط والنزوح السوري

يتأثر الاقتصاد الاردني عموماً، خلال عام 2016، بتدني اسعار النفط من جهة وكلفة النزوح السوري من جهة أخرى. انخفاض اسعار النفط ستكون له آثار ايجابية على كل من عجز الحساب الجاري وعجز الموازنة، فيما يؤدي النزوح السوري الى ارتفاع معدلات البطالة في المملكة الهاشمية، والتي شهدت ارتفاعاً في النصف الاول من 2015 الى 12.5% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2014 والتي سجلت فيها نسبة 11.9%. وقد توقع البنك الدولي ان يبلغ النمو الاقتصادي للاردن 3.7% عام 2016.

فلسطين: مقاومة مستمرة

هامش المناورة امام الاقتصاد الفلسطيني ضيق عموماً نظراً لتبعيته للاقتصاد الاسرائيلي بحكم الاحتلال، ولارتباطه في شكل كبير بحجم المساعدات الخارجية، اضافة الى معدلات البطالة المرتفعة خصوصاً في قطاع غزة. الا انه رغم هذه العوامل السلبية والضاغطة فان عملية اعادة اعمار قطاع غزة مع ما قد تجلبه من استثمارات وارتفاع الانفاق الاستهلاكي سيكونان من العوامل التي ستساهم في نمو الاقتصاد الفلسطيني بنحو 3.1% في حال لم تطرأ اي مستجدات سياسية وامنية خطيرة.

الخليج: الذهب فعلاً اسود

أدى التراجع في اسعار النفط الخام الى التقليل من ارباح الدول المصدرة للنفط في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا بنحو 360 مليار دولار مقارنة مع ارباح عام 2014. وادى تهاوي اسعار النفط الى تسجيل دول مجلس التعاون الخليجي عجزاً بالموازنات العامة قدّره صندوق النقد الدولي بحوالي 145 مليار دولار عام 2015 واكثر من 750 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة. وسجلت ميزانية السعودية عام 2015 عجزاً قياسياً بلغ 98 مليار دولار، فيما قدر العجز في ميزانية 2016 التي اعلن عنها قبل اسبوع بحوالي 87 مليار دولار.
قطر من جهتها توقعت ان تسجل عجزاً في ميزانيتها التي اعلنت عنها للعام 2016 يقدر بحوالي 12.8 مليار دولار وهو اول عجز تسجله البلاد في 15 عاماً.

في ضوء هذه المعطيات بدأت دول الخليج في البحث عن مصادر أخرى للدخل. ويتوقع ان تفرض قيمة مضافة على المبيعات الامر الذي سيرفع تكلفة ممارسة الاعمال فيها.
وكان وزير التجارة والصناعة الكويتي يوسف العلي قد اعلن ان بلاده تدرس فرض ضرائب على ارباح الشركات المحلية بواقع 10%.
وفي ايار الماضي، اتفقت دول الخليج في اجتماع وزراء المالية في العاصمة القطرية على مواصلة العمل لاستحداث ضريبة للقيمة المضافة كخطوة لتنويع اقتصادياتها بعيداً عن النفط والغاز.
وفي هذا السياق اشارت دراسة نشرها صندوق النقد الدولي في ايلول الى ان حجم ايرادات الضرائب غير النفطية في دول الخليج شكلت عام 2014 اقل من 5% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في حين بلغت النسبة في تونس والمغرب 23% وفي الاردن 17%.
من جهة اخرى، من المقدر ان ينخفض الانفاق بشكل كبير في دول مجلس التعاون الخليجي وان يتم وقف الكثير من المشاريع غير الضرورية او التي لا تمثل اولوية. واضافة الى ذلك، ستلجأ دول الخليج الى رفع الدعم تدريجياً عن الكثير من القطاعات لمواجهة التدني في اسعار النفط حيث قررت الامارات الغاء الدعم عن المحروقات فيما الغت الكويت الدعم عن الديزل ووقود الطائرات.
وقد كشف الرئيس التنفيذي لهيئة الربط الكهربائي في دول مجلس التعاون الخليجي احمد علي الابراهيم ان كلفة دعم قطاع الطاقة في دول مجلس التعاون وصلت الى 160 مليار دولار سنوياً، مؤكداً ان دول المجلس تدرس جدياً مسألة رفع الدعم عن الطاقة الكهربائية.

اليمن… الكلمة الفصل للميدان

الحرب على اليمن اصابت الاقتصاد اليمني المنهار اصلاً بمقتل. من توقف الصادرات الى التراجع الحاد في صادرات النفط وارتفاع التضخم ومعدلات البطالة الهائلة وتراجع الاحتياطي النقدي والنقص في المواد الاساسية… حدّث ولا حرج.
مصير الاقتصاد اليمني مرتبط بشكل كامل بنتائج الحرب والحل السياسي وموازين القوى التي ستنتج عن اي تسوية. وفي حال توقفت الحرب بما يرضي المملكة العربية السعودية، يتوقع ان يشهد اليمن حملة اعادة اعمار ضخمة قد تسهم في تحريك العجلة الاقتصادية وتوفير الآلاف من فرص العمل، اضافة الى تدفق مساعدات من المانحين الاقليميين والدوليين.

مصر: نفرتيتي هي الحل

توقعت شركة «كابيتال ايكونوميكس» العالمية تحسن أداء الاقتصاد المصري عام 2016، على ان يمتد لعام 2017، مع بدء جني ثمار اكتشافات الغاز التي حققتها مصر في المتوسط.
وقدرت المؤسسة ارتفاع نمو الناتج المحلي الاجمالي لمصر من 2.5% عام 2015 الى ما بين 3.5% و4% عام 2016 ــــ 2017. واعتبرت ان خطط الحكومة المصرية لتطوير منطقة قناة السويس ساهمت في جعل مصر مركزاً واعداً في المستقبل للخدمات اللوجستية والتصنيع.
من جهة اخرى لفت تقرير صادر عن موقع «ايكونومي وواتش» انه على رغم تأثر القطاع السياحي المصري بشكل كبير جراء الظروف الداخلية التي تعاني منها مصر، الا ان التكهنات التي تقارب حد اليقين من العثور على مقبرة نفرتيتي والتي تعد اشهر ملكات مصر مع زوجها اخناتون، قد تعود لتنشط القطاع السياحي المصري.

دول المغرب العربي: غروب

الاقتصاد الليبي مرتبط بالاستقرار السياسي والامني، وطالما بقيت الاحوال على ما هي عليه فالتوقعات لا تبشر بالخير. ويساهم تدني اسعار النفط وتراجع الانتاج الليبي الى ازمة مالية حقيقية ينتج عنها ازدياد في عجز الموازنة خصوصاً ان هذا القطاع يشكل 95% من الايرادات العامة و98% من الصادرات، تضاف اليها القدرات شبه المعدومة للحكومة الليبية لممارسة السيادة على ارجاء الوطن وتحصيل ايرادات اخرى كالضرائب والرسوم.
تونس من جهتها يتوقع ان يشهد اقتصادها نمواً بنحو 3% بحسب صندوق النقد الدولي. إلا ان الاقتصاد التونسي لا يزال يعاني من صعوبات كبيرة منذ العام 2011 مع بروز الخطر الارهابي الذي اتى ليعمق من مشاكل تونس الاقتصادية.

ويتوقع ان تستمر معاناة القطاع السياحي التونسي عام 2016 في ظل المخاطر الامنية المحدقة بالبلاد، ما ستكون له انعكاسات واضحة على سوق العمل ومعدلات البطالة خصوصاً ان هذا القطاع يوفر حوالي نصف مليون فرصة عمل مباشرة، اضافة الى تراجع الاستثمارات الاجنبية في هذا القطاع.
أما في ما يتعلق بالجزائر فالمؤشرات خطيرة وقد تنذر بالسوء. تراجع اسعار النفط ستكون له ارتدادات كبيرة على الاقتصاد الجزائري نظراً الى أن المحروقات تدر على الجزائر اكثر من 95% من عائداتها الخارجية وتسهم بنحو 61% من ميزانيتها. وبحسب وزير المالية الجزائري يتوقع تراجع ايرادات الطاقة الجزائرية الى 26.4 مليار دولار وانخفاض احتياطات النقد الاجنبي الى 121 مليار دولار. وفيما توقعت الحكومة الجزائرية ان يشهد الاقتصاد نمواً بنسبة 4.6% عام 2016، قلص البنك الدولي توقعاته لمعدل النمو مؤكداً انه لن يرتفع اكثر من 0.9% بسبب تداعيات انهيار اسعار النفط.
وقد تنجم عن مساعي الحكومة الجزائرية لمعالجة آثار الازمة مخاطر اجتماعية خطيرة قد تمس القدرة الشرائية والوضع المعيشي للطبقات المتوسطة والفقيرة خصوصاً ان الحلول المرتقبة تتضمن فرض ضرائب ورسوم جديدة وزيادة في سعر بعض المواد الاستراتيجية كالكهرباء والماء والوقود، اضافة الى زيادة في الرسوم على الواردات قد تتراوح بين 30 و60% حسب المنتج، وتجميد بعض المشاريع العامة والاستغناء عن البعض الآخر.
في ما يختص بالمغرب، فان تساقط الامطار وامكانية حصول موسم جفاف دفعت بنك المغرب الى تخفيض توقعاته للنمو بالنسبة للعام المقبل لتصل الى 2.1% عوض 3% التي توقعتها الحكومة ووضعتها في قانون المالية لعام 2016.
مخاطر الجفاف ستكون شديدة على المغرب خصوصاً ان القطاع الزراعي يمثل حوالي 15% من الناتج المحلي الاجمالي ويوفر 40% من الوظائف. وتشير الاحصاءات الى ان حوالي 85% من الاراضي الزراعية في المملكة تعتمد على مياه الامطار للري.
البكاء على الميت حرام… عجلوا في دفنه. الازمة الاقتصادية التي يعاني منها العالم العربي والمرشحة للتصاعد دقت المسمار الاخير في نعش السياسات الاقتصادية المتبعة والاسس التي يقوم عليها الاقتصاد العربي. المطلوب أخذ العبر والسعي للقيام باصلاحات بنيوية تطال الركائز الاساسية للاقتصاد في العالم العربي، تخرجه من التبعية للنفط والغاز والريع نحو آفاق ارحب ترتكز على تدعيم القطاع الخاص والاستثمار في صناعة المعرفة والتكنولوجيا الحديثة وإلا فالتلهي بالرقص والغناء.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *