لا لحظر النشر .. لا لتقييد الصحافة
يحدث الآن

د.مصطفى النجار يكتب: مصر فى مفترق الطرق

حين تظاهر الإسلاميون فى جمعة قندهار ( يوليو 2011 ) ورفع بعضهم الأعلام السوداء والخضراء المدون عليها عبارة الشهادة هاجت الدنيا وانتفض الاعلاميون فى مصر وانهالوا سبا وتقريعا فى هؤلاء الذين اعتبروهم لا يدينون بالولاء لمصر، بينما أثنى نفس الاعلاميين على هؤلاء الذين تظاهروا فى 25 أبريل 2016 ورفعوا العلم السعودى الأخضر بينما وضع بعضهم البيادات فوق رأسه وتبرعت إحداهن بالأهرامات قائلة (الأهرامات فوق الجزر هدية للملك سلمان)!

المفارقة هنا فى التحول الغريب فى المواقف والتناقض الذى يحيط بالمشهد العام فى مصر بين المؤيدين والمعارضين للسلطة، نجحت السلطة فى احتواء تظاهرات 25 أبريل عبر الترهيب والدفع بالحشود المضادة لإيصال رسالة معتادة ومتكررة مفادها (أنه كما يوجد معارضون فهناك مؤيدون)، لكن ثمن الاحتواء كان كبيرا وأساء للسلطة بعودة زوار الفجر الذين طرقوا أبواب البيوت واعتقلوا من يشتبه فى دعوتهم للتظاهر أو تنظيمه. كما صنع كادر الصورة المتناقضة بعدا خاصا تمثل فى اختلاف التعامل الأمنى مع المتظاهرين بدون تصريح من المؤيدين، عن التعامل الأمنى مع المتظاهرين بدون تصريح من المعارضين، ورسخ هذا الاعتقاد السائد أن السلطة تترك الشارع وتفتح المجال العام للمؤيدين فقط!

***

مشكلة السلطة ليست فقط فى الآلاف الذين تظاهروا وتم اجهاض تجمعهم بالاعتقال أو التفريق بالقوة أو بالحشود المضادة، بل فى هؤلاء الملايين من الغاضبين الذين لم ينزلوا للتظاهر ولكنهم يعارضون السلطة ومواقفها ويرون أنها لا تعبر عنهم وعن طموحاتهم، ناهيك عن الآخرين من ضحايا السلطة الذين أضيروا من ممارسات سلطوية سابقة صنعت ثأرا نفسيا يصعب محوه من النفوس، كل هؤلاء لم يتظاهروا لكنهم غير راضين عن المشهد السياسى وفلسفة الإدارة التى تصم آذانها عن الجميع وتنطلق منفردة فى كل القرارات المصيرية التى تخص الوطن وتؤثر على جميع أفراده.

المسألة ليست فض تظاهرات ولا إجهاضها فهذا لا يعبر عن مكسب بقدر ما هو ترحيل وتأجيل لمشكلة الاحتقان القائم بين السلطة والشباب على وجه الخصوص. قطعا مثلت مشكلة الجزر فرصة للساخطين على النظام لإبداء غضبهم وزادت الطريقة المهينة والخاطئة فى التعامل مع الأزمة من إحساس الحنق مما رفع سقف الهتافات لتطال مسألة بقاء النظام أو رحيله. قد لا يكون هذا المسار الذى عبرت عنه الهتافات هو الأولوية أو الترتيب الصحيح للمحتجين الذين كان يجب عليهم التركيز على أهداف احتجاجهم وعدم توسيع دائرة المطالب حتى لا تتيه فى المشاع، لكن هذا الاتجاه قطعا يعبر عن شريحة من المصريين والشباب فقدت الأمل فى إصلاح النظام فهتفت تطالب بتغييره حتى لو كانت لا تعلم ما الذى سيعقبه وهل سيكون خيارا أفضل أم أسوأ من النظام القائم، كل هذه رسائل واضحة لكنها لا تجد من يسمعها داخل السلطة ويتجاوب معها.

أسوأ ما تجنيه السلطة الآن «غراسها» فى تأميم المجال العام الذى تسبب فى عدم وجود وسيط سياسى بينها وبين الناس، حتى البرلمان الذى تم تشكيله قبل عدة شهور تعتقد الغالبية العظمى من المصريين أنه برلمان تدخلت السلطة فى صناعته واختيار وجوهه لتمارس التأييد للسلطة وتصبح ظهيرا لها. هناك شعب لا تراه السلطة ولا تعنى بآرائه ولا تستمع لشكواه بل تترك أبواقها فى الإعلام تتهمه بالكسل والجهل والانصياع لأجندات أجنبية وما شابه ذلك من ترهات مستهلكة لم تعد قادرة على احتواء أزمة الثقة فى الأداء العام للسلطة على جميع المستويات. أما المسألة الأشد خطورة والتى تمثل تهديدا حقيقيا لبنيان الدولة المصرية فهى تماهى السلطة مع مؤسسات الدولة وعدم وجود خط فاصل يحدد العلاقة بين السلطة والمؤسسات التى صار الناس يربطونها بالسلطة بشكل كامل ويعتقدون أنهما توأم ملتصق لا يمكن فك الارتباط بينهما.

***

فى ظل تصاعد الأزمة الاقتصادية واقتراب هزات اجتماعية واقتصادية كبرى ناتجة عن الاصلاح الاقتصادى الحتمى يجب إدراك أن طريقة التعامل مع أى احتجاج اجتماعى متوقع لا يمكن أن تكون مشابهة لطرق التعامل مع الاحتجاج السياسى لأن كلفة ذلك ستكون باهظة ولا يمكن الرهان على القبضة الغليظة لإسكات صرخات الجائعين ومداواة جراحهم.

فى نفس الوقت فإن الربط بين ما هو اقتصادى وما هو سياسى صار حتميا، والإصرار على تجاهله خطيئة ستضاعف ثقل المهمة وتجعلها شبه مستحيلة، الأفق السياسى المحدود الذى يطمئن لوجود مجموعات من «المطبلين» تبرر الأخطاء وتكيل المدح والثناء وتبالغ فى الإيهام بأن كل شىء تحت السيطرة، هذا الفكر لا يستفيق إلا بعد هبوب العاصفة وتراجع فرص إصلاح العثرات ورتق الخرق.

القوة فى الناس وتأييدهم وإذا فُقد هذا التأييد أو تآكلت رقعته فهذا إنذار بالخطر الداهم، من يعتقد أنه يمكنه تجاهل الجماهير والاكتفاء ببعض الأتباع واعتبارهم هم الشعب فقط فإنه يسير للنهاية بخطى متسارعة. لا يصدق بعضهم أن الحل قد يكون تحت قدميه ولكنه لا يكلف نفسه جهد رفع قدميه ليجد هذا الحل الذى يمثل طوق النجاة وبوابة العبور لشاطئ الأمان. ينجح من يستمع لناقديه قبل محبيه، ويفشل من يغلق أذنيه ويمارس الاستعلاء، عند مفترق الطرق لا بديل عن الاختيار وتحمل عاقبته، هناك لحظات تحدث وتتبعها تغيرات جذرية واسعة المدى، وها نحن فى هذه المرحلة.

**د.مصطفى النجار
طبيب ومدوّن وأحد مؤسسي حزب العدل وبرلماني

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *