يحدث الآن

سامي كليب يكتب “للمقاومه لا لإيران”

الإعلامي اللبناني الدكتور :سامي كليب

تثير ايران انقساما في الوطن العربي بين تيارين، أولهما يعتبر دورها ” تدخلا سافرا” في عدد من الدول وتهديدا مُباشرا، وثانيهما يرى فيها سندا كبيرا للمقاومة ومصدرا للسلاح والتمويل.

وفي السنوات القليلة الماضية وصل بعض خصومها الى حد القول انها أكثر خطرا عليهم من إسرائيل رغم انهم لم يقطعوا أبدا العلاقات معها.

بينما صدرت تصريحات من بعض المسؤولين الايرانيين تفاقم المشكلة من خلال القول ان طهران صارت تُهيمن على 4 عواصم عربية وانه بدونها لا قرارات في هذه الدول.

نقمة بعض العرب على ايران، وما رافقها من شحن مذهبي منذ الاجتياح الاميركي البريطاني للعراق، دفعت تيارات واسعة في الوطن العربي الى تحميل حزب الله والمقاومة في لبنان وفلسطين كثيرا من وزر الصراع الايراني السعودي خصوصا، بحيث صار البعض يقول ان الحزب يروِّج لمشروع ايراني فارسي صفوي وما الى ذلك من تُهم.( مع تجاهل أن الحضارة الفارسية كانت عظيمة ومتداخلة جدا مع الحضارة العربية).

لا شك أننا أمام مُشكلة تتطلب صراحة عميقة بغية حلّها، وليس تملُّقا يزيد الشرخ.
في خلال زيارات قمتُ بها مؤخرا الى دول عربية من مصر والاردن الى الجزائر والمغرب فموريتانيا، كنت أسمع كثيرا من الناس يقولون : ” نحن نؤيد المقاومة اللبنانية وقلبنا على فلسطين وأحببنا السيد حسن نصرالله حبا جمّا في العام ٢٠٠٦، لكننا لا نريد تدخُّل ايران في الدول العربية، ونتمنى ان تبقى المقاومة في عمقها العربي لا أن تعتبر مرجعها هي المرجعيات الدينية الايرانية” .

نحن نتحدث هنا عن دول معروفة بدعمها لفلسطين ولمن يقاوم اسرائيل وليس دولا اخرى.
الواقع ان ايران المحاصرة منذ نحو 40 عاما ، طورت كثيرا علومها فيقول مثلا تقرير طومسون- رويترز، انها صارت الدولة الاولى نموا في العالم على المستوى العلمي.

وهي طورت تقنيات النانو، وخصصت فقط في العام 2011 أكثر من 6 مليارت دولار للبحث العلمي، وأوصلت الاقمار الصناعية الى الفضاء وتُصنِّع مليون سيارة سنويا وحققت اكتفاء ذاتيا ليس فقط في الصواريخ الدقيقة وانما ايضا من الغذاء والطبابة والتعليم وغيرها وكادت تمحو نهائيا الأمية بعد الثورة، والمرأة فيها مُحترمة يُهديها زوجها او حبيبها كل اسبوع وردة والمدن نظيفة على الطراز الاوروبي. والأهم من ذلك حاليا ووفق تقارير عالمية واسرائيلية فان أكثر دولة مثيرة لقلق اسرائيل في أي حرب سيبرانية ( تكنولوجية) مقبلة هي ايران.

قدرات ايران هذه جعلت المقاومة تعتمد بقوة عليها، ناهيك عن التقارب المذهبي بين ايران وحزب الله،لكن ثمة عربا يعتبرون أن المشروع الايراني في المنطقة يستخدم المقاومة كي يعزز موقعه وان” فلسطين شمّاعة”…
فماذا نفعل اذا ؟
ثمة عروبيون كثيرون تنبض قلوبهم على قلب المقاومة في لبنان وفلسطين ولا يحبذون دورا ايرانيا في دولهم.

هل يجب اعتبارهم خصوما وأعداء لأنهم لا يُمجِّدون القيادة الايرانية ويشكرونها كل يوم، وانهم لم يهنئوا طهران في الذكرى الاربعين للثورة ويرعفوا صور الامام الخميني أو السيد علي خامنئي أينما كان؟ أم يجب الذهاب صوبهم وتقديم الخطاب العربي على أي خطاب آخر؟ بالمقابل فثمة كثيرون في العراق وسوريا مثلا يقولون انه لولا الدور الايراني المباشر بقيادة الجنرل الشهير قاسم سليماني لكان الارهاب الداعشي وغيره قد قضى على كل هذا الدول.

فهل هؤلاء يُلامون لحبهم لمن ساعدهم وانقذهم.؟

ليس بين العمق السوري وايران انسجام فعلي، فلكل طرف أولوياته الدينية والاجتماعية والدينية، لكن الأكيد أن كثيرين في سوريا يعتبرون ان وقوف ايران الى جانبهم ساهم في صمود دولتهم، وأنه لولا دخول إيراني وروسيا وحزب الله على خط الحرب لكان المشروع الأطلسي الإسرائيلي المدعوم عربيا قد قضى على سوريا ومحور المقاومة.

حزب الله قاتل اسرائيل وهزمها أكثر من مرة، والفصائل المقاومة في فلسطين أفشلت الكثير من خطط اسرائيل رغم جور وقسوة ودموية الحرب. وبعد 2006، كانت صور السيد حسن نصرالله في كل بيت وساحة وشارع على امتداد الوطن العربي في مشهد لم نألفه منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

هذه المقاومة تعتبر أن لا مصدر حقيقيا لمساعدتها عسكريا وماليا سوى ايران. فهل ثمة بديل عسكري ومالي ؟ الأكيد لا حتى الان، لكن هناك تضامن شعبي عربي لافت، ونسبة كبيرة من المتضامنين تناهض بالمقابل ايران. لماذا؟
يقول بعض العرب ان حزب الله حزب ديني، وان أولويته شيعية وانه لا ينفتح على العروبيين والناصريين واليساريين والعلمانيين العرب المؤيدين للمقاومة الا على مضض.

الحزب يقول العكس ويُذكر بأحد خطابات الأمين العام السيد حسن نصرالله حول عروبة أهل اليمن مثلا، او عروبة سوريا وغيرهما ويقول أنصار الحزب إنه لم يتردد في المساهمة المالية المباشرة في المؤتمر القومي العربي .
الجدل كبير ، ما يفرض اذا خطابا عروبيا جديا من قبل حزب الله بحيث يُشعر الجزائري والمغربي واليمني والخليجي والمصري والاردني والعراقي والسوري واللبناني وغيرهم بأنه منهم ولهم، واذا كان حزب الله مُحقٌّ باعتبار أن العمق العربي لم ينفعه حين اجتاحت اسرائيل مرار لبنان، فمن الحق أيضا القول ان المرحلة المقبلة تتطلب احتضانا عربيا لكي لا تشعر اسرائيل بأن الحزب معزول عربيا وان الحرب ضده ستكون مستندة هذه المرة الى ظهير عربي مناهض لايران.

الواضع أن الضغط سيكبر على الحزب في الأشهر والسنوات المقبلة، فلا بد من تعزيز الخطاب العروبي .
لكن الأمر يتطلب أيضا جوابا عربيا : ” هل حماس والجهاد الاسلاميان هما أيضا شيعيان ليتم تطويقهما عربيا وشل قدراتهما؟” .

أوليس هدف الفتنة المذهبية، انهاء اي مقاومة ضد اسرائيل؟ ثم هل أن الطريقة المُتبعة في مواجهتها عبر اعتبار حزب الله ارهابيا وكذلك الحوثيين والحشد الشعبي وحماس والجهاد والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والحزب السوري القومي وغيرهم أعداء، وعبر سحق اليمن بذريعة ضرب الحوثيين خففت فعلا من التدخل الايراني أم وسَّعته حتى صار صاحب قرار مركزي من بغداد الى بيروت؟

ثم لنسأل أيضا: حين تفاهمت أميركا والدول الغربية مع ايران، الم تُهمل الدول العربية التي تخاصم طهران؟ ماذا يمنع أن تعود واشنطن للتحاور مع القيادة الايرانية بعد الحصار والمواجهة؟ أوليس من الأفضل ايجاد مناخ تحاوري بين العرب وايران وتركيا على قواعد مصلحية سليمة تجعل هذه المنطقة حيوية وزاخرة بالمشاريع المشتركة ترفع من مستوى المواطنين في منطقة كانت مهد الاديان السماوية فصارت ساحة لكل الحروب… لكن الا يتطلب هذا قبل التفاهم مع الامم الكبرى، تفاهما بين العرب انفسهم كي لا يبقوا مطية لهذه الدولة وتلك؟

كثيرٌ من الأنظمة العربية تسير للأسف في ركب صفقة القرن اما قناعة بان ذلك قد يُثبّت سلطاتهم أو يخفف غضب أميركا أو يجذب تأييد اللوبيات الاسرائيلية في أميركا والغرب، لكن الأكيد أن قلوب الكثير من الشعوب العربية، لا تزال تنبض على قلب فلسطين وتناهض جور اسرائيل ( اسألوا اهل المغرب واليمن والسودان، وراقبوا تعامل المصريين والاردنيين حيال السفير الاسرائيلي تعرفون) .

فبدلا من نبذ المقاومة بسبب ايران، أو مدح ايران ليلا نهارا والتهليل لها بذريعة حماية المقاومة، لتكن المقاومة هي المقياس ، وليس حبُ ايران أو كرهها … هذا طبعا اذا كنا صادقين وعروبيين وحريصين على فلسطين وأهلها وعلى لبنان ومقاومته وعلى كرامتنا…لا مقاومة عربية دائمة وناجحة بدون احتضان عربي، ولا كرامة عربية مع الاستسلام لاسرائيل التي لا تميز بين عربي وايراني الا بقدر ما يتذلل لها، ولا بين سعودي وسوري ولبنان ومصري ومغربي ، الا بقدر ما يساعدها على قضم فلسطين.

ان التقاتل السعودي الايراني لا ينفع الا أعداء الطرفين ويُضعف المقاومة. وان أولويتنا يجب أن تبقى عربية وان نتحاور مع الآخرين من موقع الشركاء لا الاتباع.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *