ديسمبر 10, 2019

يحدث الآن

#سامي_كليب يكتب “الاقصاء يولّد الحقد ويبعث الحروب”

الاعلامى اللبناني الدكتور :سامي كليب

فيما تنحسر الحروب العسكرية في منطقتنا تاركة خلفها كوارث بشرية وعمرانية واجتماعية واقتصادية، ينقسم الناس في بلادنا بين طرفٍ مغالٍ في الانتصار العسكري الى درجة القول انه قادر على حكم البلاد لوحده، وبين طرفٍ يشعُر بالخذلان من انكسار ” ثورته” وتخلي العالم عنها، فيتمُّ تظهير الانتصار من خلال تقديم قوى وشخصيات تستفيد مما بعد الحروب حتى لو كانت الإفادة تتم

عبر القوة والفساد على أساس أن هذا حقها الطبيعي، بينما المهزومون عسكريا والمشتتون سياسيا فكل ما يفعلونه هو الانكفاء بانتظار ظروف أفضل والاحتفاظ بالحقد الدفين أو تبرير الفشل.

تعود الامور في هكذا حالات الى لُبِّ مشكلتنا العربية. يُصبح الاقصاء سيد الموقف، فيرفض المنتصر تماما الآخر ويحتقره ويحمّله كل مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع. هذه حالنا اليوم، حيث تم اقصاء الاخوان المسلمين، والمعارضات اليسارية والعلمانية التي فشلت في تحقيق حلم التغيير، وظهرت قوى سياسية واقتصادية جديدة تستبيح التفرّد بكل ” الغنائم”، وتحاول إطالة امد الحروب لرسم خطوط مصالح عميقة.

هذا يؤسس طبعا لحروب مقبلة، ويُبقي جمر الفتن تحت الرماد. يكفي أن نقرأ تعليقات عدد كبير من القراء، أي من نسيجنا الاجتماعي اليوم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حين نكتب عن شخص لا يعجبهم، فهم مستعدون ليس فقط لإقصائه والغائه وانما أيضا لقتله معنويا، وربما جسديا. وهنا لا أستثني أحدا، فمعظم العرب والمكونات الأخرى في منطقتنا سقط في هذا الفخ. وهم (بمن فيهم نخب فكرية وإعلامية وسياسية) يستخدمون كلمات نابية تقارب الشتائم، وحقدا مقزِّزا، وعبارات قاتلة وسطحية.

طُرح مثل هذا الأمر في إيطاليا التي انقسمت في أواخر القرن الثامن ومطلع القرن التاسع عشر بين شمالٍ غني ومتقدم صناعيا وحديث، وبين جنوب فقير وناقم على الشمال. فتقدّم الفيلسوف والكاتب والمؤرخ اليساري الفذ أنطونيو غرامشي يطالب بدمج كل مكونات المجتمع الايطالي في ما أسماه ب ” الكتلة التاريخية”، فيصبح العمل الجماعي لإنقاذ الأوطان بديلا عن الاقصاء المدمّر. ثمة من يعتقد ان اسم الكتلة جاء من الفيلسوف الفرنسي سوريل وآخرون يعيدونه الى ابن خلدون. وهو الاسم نفسه ( الكتلة التاريخية) الذي أخذه عنه لاحقا في عصرنا الفيلسوف والمفكر المغربي الفذ محمد عابر الجابري بغية إعادة اللحمة الى مجتمعاتنا منذ مطالع ثمانينيات القرن الماضي ومواجهة تركة الاستعمار وإعادة اللحمة بين التيارات اليسارية والإسلامية والعلمانية وغيرها لنهضة الأوطان.

قال الجابري في مقال نشره في مجلة المستقبل العربي في العام ١٩٨٢ مُعرّفا الكتلة التاريخية التي ينشدها بأنها:” كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلق أولا بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية، السياسية والاقتصادية والفكرية، وتتعلق ثانـيا بإقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها، إلى درجة كبيرة، التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للإنتاج. وبما أن مشكلة التنمية مرتبطة في الوطن العربي بقضية الوحدة، فإن هذه الكتلة التاريخية يجب أن تأخذ بعدا قوميا في جميع تنظيراتها وبرامجها ونضالاتها” ، ثم لاحقا فصّل فكرته في مقالات ودراسات وكتب عديدة.

لنكن واقعين اليوم ونطرح مجموعة من الأسئلة: هل يُمكن فعلا اقصاء العمق الإسلامي في مجتمعاتنا، أكان إخوانيا أو غيره؟ هل نقصي كل معارضٍ حلُم يوما بالتغيير حتى ولو أخطأ في تنفيذ حلمه؟ هل نخوّن كل من انهزم في الحرب العسكرية؟ هل نُهمّش حتى التيارات والأحزاب والشخصيات التي ساهمت في انهاء الحرب وكانت شريكا في الدفاع عن البلاد لأنها تختلف معنا أيديولوجيا؟ هل يخدمنا الشعور بأن طائفة أو مذهبا أو تيارا أو عرقا أو مكوّنا من دولنا هو فقط صاحب الفضل في انهاء الحرب فنمارس على الآخرين ما يُشبه فروض عصر الذمّة؟

حين سُئل الزعيم الهندي الشهير جواهر لال نهرو عن سبب إصراره على دستور علماني للدولة في بلد يفوق فيه الهندوس نسبة ٨٠ بالمئة من السكان، أجاب بلا تردد:” لأني أريد لكل مواطن ان يسير في بلادنا مرفوع الراس”.

أن تربح الحرب هذا أمر ممتاز، لكن أن تربح ما بعد الحرب، وتجذب خصومك اليك قبل الموالين، فهو الأمر المثالي لإعادة بناء الأوطان. والله ما تم اختراق اوطاننا سوى بسبب جمر الحقد والتهميش الكامن تحت رماد المجتمعات مهما كثرت مساحيق التجميل.

وهنا نسأل، أين هم المفكّرون والفلاسفة، والمؤرخون، والمثقفون كي يطرحوا أسس كتلة تاريخية جديدة في بلادنا المدمّرة، بدل الاختباء والانزواء والتحول الى مجرد أبواق لهذا الطرف أو ذاك.
أين هو غرامشي أو الجابري في مجتمعاتنا اليوم؟

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *