لا لحظر النشر .. لا لتقييد الصحافة

أكتوبر 20, 2018

يحدث الآن

غني يا أم كلثوم..!

تهادى ذكرى رحيل وميلاد كوكب الشرق أم كلثوم هذه الأيام.. مع أنها حاضرة أبدا.. فهي لم تغب عنا ولن.. ولا ينبغي.. هي نور يتجلى بالحب في الخلايا.. وصوت يتحلى بالضياء في الثنايا.. وأمل يتألق في الحنايا.. وقد تخلى عنا ما يجعل لحياتنا معنى.. ويمنح قلوبنا روحا لا تعرف إلا التوهج. في سناء صوت أم كلثوم أعزف هذه المتواليات من قلب لا يعرف إلا الحب ولا يعترف إلا بالحب قانونا للحياة.. ،،،،،،،،،،،،

أنا إن قدر الإله مماتي

لن ترى الشرق يرفع الرأس بعدي

نعم.. لم يرفع الوجدان الغنائي في الشرق رأسه بعدك يا سيدتي أيضا..!

وأبدا.. لم تهدأ «ثورة الشك» ولم تخدش «الأطلال» أية رياح أو عواصف غنائية يثيرها مصارعو الغناء.. ولا «فات الميعاد» إلا حين لا نسمعك.. فـ«أنت الحب».. و«سيرة الحب» التي تسردها قلوبنا معك.. و«حديث الروح» الذي في أرواحنا يسري..

وأبدا ما «أقبل الليل» ساحرا إلا بصوتك الذي يجعل «الليل أطول من ساعاته» ولا «غنى الربيع» إلا بلسانك.. ولا «شمس الأصيل» التي «دهبت خوص النخيل».. إلا حين تتموسقين..

و«مرت الأيام» ودارت الأعوام، ولا تزال «الموجة بتجري ورا الموجة» ولن تطولها طالما أننا نعيش في عصر «أم كلثوم» ولياليها التي تحيينا في «ألف ليلة وليلة».

وتمضي السنون.. «سنة وراها سنة» وصوتك «شباب على طول» و«فكروني» لو عثرتم على «خليفة» لأم كلثوم… «ثومة» هي سيرة «الحب كله» وهي «الأمل» لكل بائس من نفسه أو يائس من حبيبه.. ومهما يهرب الواحد منا و«يسأل روحه» حائرا «أروح لمين» لا يملك إلا أن يتغنى بمقولتها «الحب كده» ويعود «سهران لوحده» يناجي عذاباته.. ويلملم أشواقه هامسا إلى حبيبه: «إنت عمري» و«إنت النعيم والهنا.. إنت العذاب والضنا». هل رأى الحب سكارى مثلنا كم بنينا من خيال حولنا ومشينا في طريق مقمر تثب الفرقة فيه قبلنا وضحكنا ضحك طفلين معا وعدونا فسبقنا ظلنا نعم يا سيدتي..

معك يصبح للحب معنى أجمل..

ويصبح للوجود قيمة مضافة..

ويحلو الحب في سناء صوتك..

علمتينا كيف نحب وكيف نعشق..

وكيف نتحاور مع قلوبنا..

فيك نجد أنفسنا وعواطفنا..

وتترقرق مشاعرنا على شواطئ حنجرتك الذهبية.

نهرب من أوجاعنا ولو مؤقتا.. نطلب اللجوء إلى صوتك.. وما أحلى اللجوء العاطفي.. والسياسي.. والاجتماعي.. والوجداني إلى مدينة أغانيك.. ومدنية سمتك.. وحضارة صوتك.. أين من عيني حبيب ساحر فيه عز وجلال وحياء واثق الخطوة يمشي ملكا ظالم الحسن شهي الكبرياء عبق السحر كأطراف الربى ساهم الطرف كأحلام المساء

إنه صوتك يا سيدتي.. فيه زعامة.. الظالم الحسن.. الشهي الكبرياء يا صاحبة الصوت الذي ليس كمثله صوت.. إنه «صوتك» الذي يحمينا من «سوط» بل «سياط» تلك الأغنيات المدمرة.. التي تنهش في الوجدان.. وتخدش أسمى عاطفة في الوجود.. يحمينا صوتك يا سيدتي من «مصارعي» الغناء.. و«ملاكمي» الطرب.. تنساب موجات صوتك في صحراء وجداننا الذي يتعرض -وكم يتعرض- للتصحر والجفاف.. تدفقي يا سيدتي.. واسكبي قطرات حبك.. شلالات.. في أذواقنا التي تبدو آيلة للسقوط:

غني لي شوي شوي

غني لي وخد عيني

المغنى حياة الروح

يسمعها العليل تشفيه

وتداوي كليم مجروح

يحتار الأطبا فيه

غني يا سيدتي غني.. غني وخذي عيوننا.. فغناؤك حياة أرواحنا.. غني.. ربما تتحسن أوضاعنا المختلة.. وتستريح أوجاعنا المحتلة أكبر مساحة في يومياتنا.. غني ففي غنائك حياة.. قد نسيناها.. نسينا الحب.. والأحاسيس الجميلة.. نسينا الود.. والمشاعر الصادقة.. الصادرة من قلوبنا التي كانت.. وما أقسى الفعل الماضي.. والحاضر.. والمستقبل كم نخشاه إذا توارى عنا صوتك! راح أغني وأغني وأغني وأوري الخلايق فني نعم يا كوكب الشرق والغرب أيضا.. غنيت وما أسمى غناءك.. حتى انبهر العالم بصوتك ولم يزل.. لقد رأت «الخلايق» فنك يا أم كلثوم..

وأود أن أخبرك ـمثلاـ بأنه الدراسات والندوات والمؤلفات لم تزل تنهل منك شخصا وشخصية.. ففي لندن -مثلا- عقدت «جامعة كمبريدج» ندوة علمية تحت عنوان «الاستماع إلى أم كلثوم» وقد دعا إلى هذه الندوة مركز دراسات الشرق الأوسط التابع للجامعة..

وأثناء الندوة يا سيدتي.. تم توزيع أول ترجمة إنجليزية لرائعتك: عودت عيني على رؤياك وقلبي سلم لك أمري أشوف هنا عينيه في نظرتك ليه وألقى نعيم قلبي يوم ما التقيك جنبي وان مر يوم من غير رؤياك ما ينحسبشي من عمري وجرى في ذوقك ـ يا سفيرة الفن العربي – بحث شامل لأهمية ولون الغناء الذي مايزت به (وقد رافق تقديم البحوث عرض شرائح فوتوغرافية لسيرتك مع خلفية موسيقية لمقطوعات من روائعك). وفي باريس أصدرت إدارة «صك العملة» ميدالية ذهبية في ذكراك باعتبارك أعظم مطربي العالم العربي، وحملت الميدالية وجهك الذي يحتوي أرق وأغلى حنجرة عربية في الوجود.. والوجه الثاني لك مع فرقتك الموسيقية التي لم تتكرر. أقبلي علينا يا سيدتي.. وواصلي إشراقك في ليالينا المؤلمة.. تعبنا يا سيدتي، وتعب التعب منا.. فلنغني.. على جراحنا.. ربما تسقط منا الأيام.. وما أسمى سقوط الأيام المؤلمة.. هل في ليلتي خيال النداما و«النواسي» عانق الخياما!! وتساقوا من خاطري الأحلاما وأحبوا واسكروا الأياما

د.مجدي العفيفي

alafifi56@gmail .com

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *