لا لحظر النشر .. لا لتقييد الصحافة
يحدث الآن

هل حان الوقت للولايات المتحدة لأن تعيد تفكيرها في أسلوبها في الشرق الأوسط؟

كانت نصيحة مايكل كاروليون حكيمة جدا في فيلم العراب الجزء الثاني عندما قال :” قرب أصدقاءك, ولكن إجعل أعداءك أقرب”. من أجل التعرف إلى سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط, فإن الولايات المتحدة ربما تكون بحاجة إلى أن تنظر إلى الخلف قليلا, وان تنظر نظرة جدية على أدوار أصدقائها وشركائها العرب التي يمكن أن يؤدوها.
الهجمات الإرهابية المريعة التي شنت في باريس والصراع المستمر في سوريا يبدو أنهم يستصرخون طلبا للتدخل الدولي, ليس أقل من غزو صدام للكويت عام 1990. يؤكد إرهاب الدولة الإسلامية الدولي أنه خطر داهم لكل من الدول العربية في المنطقة وللقوى الرئيسة خارج المنطقة, وليس فقط للولايات المتحدة وأوروبا, بل ولروسيا والصين واليابان والهند أيضا.
بعد تصرفات صدام, قام وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جميس بيكر, وفي استعراض رائع لدبلوماسية الولايات المتحدة, بحشد تحالف دولي واسع ضم الاتحاد السوفيتي وحتى نظام الأسد في سوريا.
ولكن لماذا لا تقوم الولايات المتحدة بحشد نفس هذ التحالف لعكس المكاسب التي حققتها داعش؟ وهذا بالضرروة يتطلب اقتلاع الدولة الإسلامية من مقرها في الرقة وإيجاد حل للصراع السوري. إرسال 50 جنديا أمريكيا من القوات الخاصة محاولة مكشوفة لفحص الموقف وإيجاد إمكانية إذا ما كان بوسعنا فعل شئ. أين هو جيمي كارتر عندما تحتاجه؟ ولكن للانصاف, لا يمكن إلقاء اللوم في الرد الفاتر على الخوف, وتراجع إدارة أوباما.
كيف يمكن للسعوديين ودول الخليج ومصر وتركيا – وجميعهم يواجهون خطرا وجوديا من داعش- أن يكونوا منشغلين بمخاوف أخرى وأن لا يكونوا متحفزين لقتال داعش؟ لنفكر في الموضوع قليلا: إذا أطلقت على نفسي دولة الخلافة الإسلامية, وأصبحت زعيما لجميع المسلمين, ألا أكون بحاجة للسيطرة على المواقع المقدسة في الإسلام في مكة والمدينة؟ أليس هذا أمر واضحا تماما بالنسبة للرياض؟ لقد عاثت داعش فسادا حقيقيا في الأراضي المصرية في سيناء, وأصبحت حرفيا على مرمى حجر واحد من الحدود التركية.
في حين أن هذه الدول لديها أكثر من 5 مليون مجند في جيوشها, إلا أنهم لا يرون أن لديهم مصلحة في نشرهم وسحق داعش. وكما سوف يخبرك أي ضابط عسكري (ويمكن أخذ ذلك من الخبرة الأمريكية في العراق), فإنه لا يمكن كسب أي حرب بالقوة الجوية فقط. أي استراتيجية هدفها تدمير داعش بحاجة إن عاجلا أو آجلا إلى قوات على الأرض للسيطرة على الأراضي التي احتلت ووضع قواعد للسلطة الحاكمة الشرعية في تلك البلد المحررة.
السؤال المحير هنا هو لماذا الدول العربية, الحريصة إلى أقصى الحدود لأن تلعب الولايات المتحدة دورا أمنيا قياديا في المنطقة, مهووسون بمخاوف أخرى؟ إيران ومخططاتها الاستعمارية تهديد واضح على المدى الطويل على السعوديين والدول السنية الأخرى في المنطقة.
وهذا يقودنا إلى أن خيال السعودية والدول العربية التي تعتبر شركاء أمنيين للولايات المتحدة, لا يرى أن داعش تمثل خطرا داهما وحقيقيا على الدول العربية. أسطورة أن دور الولايات المتحدة مطلوب لضمان استمرار وصول النفط استمرت طويلا. ليس هناك أي مصلحة لأي من دول أوبك في تدمير مصدر رزقهم. من لديه المصلحة في قطع إمدادات النفط؟
ومع ذلك, وفي حين أنه يمكن الحديث عن أن حمل أعباء النفط مع دول مستوردة للنفط مثل الصين والهند واليابان ودول الاتحاد الأوروبي ربما تأخر كثير, فإن دور الولايات المتحدة في الحفاظ على التوازن في منطقة مضطربة لا زال يشكل ركنا هاما من أركان الاستقرار.
ولكننا لا زلنا نقف أمام مشكلة أن أي جهد يقوده الغرب لسحق داعش لا يمكن أن ينجح في نهاية المطاف لوحده. إذا تم النظر إلى مثل هذه الحملات على أنها حرب أمريكية أو غربية (أو صليبية) فإنها سوف تثير ردة فعل في العالم الإسلامي. وهذا هو الفخ الذي تعمل داعش على زرعه باستخدام اللاهوت المزيف.
يجب أن يكون هناك تحالف داخلي بين اللاعبين في المنطقة الذين يقومون بأدوار قيادية. ولا يجب أن يكون تحالفا يقوم فيه طرف واحد بتحمل كامل العبئ, فالحرب ضد الدولة الإسلامية يجب أن تتضمن الدول المجاورة التي لديها خطوط حرب أمامية مع داعش. يمكن بل و يجب أن تقدم كل من الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا ودول أخرى الدعم والمساعدة لهم- ويمكن أن يضم ذلك قوات على الأرض. ولكن يجب أن تكون حربهم بصورة رئيسة. ويجب أن يظهروا دون أي شك أن الدولة الإسلامية لا تمثل الإسلام وليست شرعية, بل إنها آفة وقامت بخطف وإفساد المعتقدات الإسلامية.
لفترة طويلة كانت الجهات الإقليمية سعيدة بالحفاظ على كميات من مخزونات السلاح وتقوم بشراء أسلحة أمريكية متطورة من أجل تكديسها في الصحراء وتقوم باستدعاء الولايات المتحدة كلما كان هناك معركة يجب أن تخاص. طبيعة هذا التهديد تتطلب من دول المواجهة العربية أن تكون في مقدمة ومركز أي تحالف. العديد من التقديرات تشير إلى أن الأمر لا يتطلب أكثر من 100000 جندي, وربما نصف هذا الرفم, لمدة قصيرة نسبيا كقوة حفظ للسلام لما يمكن أن يكون فترة انتقالية ربما تستمر عامين. ويجب أن يتم ذلك من خلال تفويض أممي وغالب قوات حفظ السلام سوف تكون مسلمة.
إذا كان هؤلاء لدى هؤلاء الموجودين في المنطقة حسابات مختلفة مع واشنطن, فإنه ربما قد حان الوقت لإعادة تقييم العلاقات في المنطقة. الشراكة الأمنية يجب أن تعكس المصالح المشتركة. إنها ليست طريقا في اتجاه واحد. يجب أن تكون المعاملة بالمثل.
يجب أن يكون واضحا لجميع الدول في المنطقة بأن كل التدخل الغربي في القرن الماضي – منذ اتفاقية سايكس بيكو التي حلت مكان الدولة العثمانية مع ما حملته من مفاهيم غريبة على المنطقة خاصة فيما يتعلق بالدولة القومية – إلى غزو العراق عام 2003 كلها أدت إلى نتائج عكسية.
هناك تطابق في تقييم التهديدات فيما يتعلق بإيران ونواياها طويلة الأمد. هذا ملحوظ تماما في رد فعل إيران المتشدد على الاتفاق النووي؛ حيث أن الولايات المتحدة لا زالت تمثل الشيطان الأكبر ولا زال توسع النفوذ الإيراني هو الهدف الاستراتيجي.
ولكن حاليا, هناك حاجة ملحة للتعامل مع تهديدات داعش والصراع في سوريا بحيث إنها يجب أن تحل مكان المخاوف حيال إيران. في الواقع وبالنظر إلى أنه لا يمكن سحق داعش إلى أن يحل الصراع السوري, فإن هناك بعض التداخل يوجب أن تكون إيران جزء من أي حل سوري.
في أي حال, ما لم أوحتى تعيد الدول العربية التفكير في كيفية حساب مصالحهم قريبة المدى, فإن على الولايات المتحدة أن تكون حكيمة كفاية لتبدأ البحث والنقاش مع أصدقائها في المنطقة حول طبيعة العلاقات الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط المنهار.
الأزمات المتعددة والمستمرة في الشرق الأوسط الكبير قادت العديد من المحللين الأمريكان إلى القول بأنه يجب تعزيز العلاقات الأمنية مع دول مجلس التعاون الخليجي والشركاء العرب الآخرين. ولكن الشراكات الأمنية والتحالفات, تبدأ دائما وبالضرورة بوضع أهداف مشتركة.
في مناطق أخرى, حيث تقوم الولايات المتحدة بدور الضامن الأمني, وفي أوروبا وشرق آسيا, هناك شركاء فعالين وعلاقات أمنية مع إدراك مشترك للتهديد وقدر من من المعاملة بالمثل فيما يتعلق بالأدوار الدفاعية والمهام المشتركة. في الناتو هناك التزام أمني جماعي كامل. في شرق آسيا, ومن خلال التحالفات الأمريكية اليابانية والأمريكية الكورية والأمريكية الأسترالية, وتحالفات أمنية متنامية مع شركاء في الآسيان, فإن الشبكة الأمنية الإقليمية تشهد تطورا كبيرا.
ولكن في الشرق الأوسط هناك حالة من الافتقار إلى الأولويات المشتركة فيما يتعلق بإدراك التهديدات, واتفاق محدود على الاتفاق على أدوار ومهام معروفة. إذا استمر الحال على ما هو عليه, ورفض أولئك الذين لديهم أقصى مصلحة في القضاء على داعش بأن يعطوا هذا الأمر الأولوية الكافية, فإن أمد المعاناة سوف يزداد وسوف يؤدي ذلك إلى حماية داعش. من خلال مثل هذا السيناريو, سوف يكون هناك حجة أكبر بكثير لتخفيض العلاقات الأمنية الأمريكية في المنطقة بدلا من التوسع فيها.


روبرت مانينغ
فورين بوليسي 
ترجمة : قسم الترجمة في مركز الشرق العربي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *