يحدث الآن

يعلم ترامب أن الاعتراف بتبعية الجولان لإسرائيل سيُغضب العالم.. حسناً، هو غير مهتم فلديه مكاسب أهم

جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس 21 مارس/آذار 2019، أن «الوقت حان لدعم السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية» يمثل قنبلة دبلوماسية، من المؤكد أن شظاياها التي تناثرت في جميع الاتجاهات ستزيد تعقيد الموقف المشتعل أصلاً بالشرق الأوسط، فلماذا الآن؟ وهل يمكن أن يحشد ترامب تأييداً دولياً لمثل هذه الخطوة رغم الرفض الروسي الفوري؟ وماذا يحمل المستقبل القريب للمنطقة في ظل ذلك التحول الخطير بالسياسة الأمريكية؟

التوقيت ليس غريباً ولا مفاجئاً
ترامب ألقى بقنبلته عبر تويتر مغرداً: «بعد 52 عاماً، حان الوقت لاعتراف الولايات المتحدة الكامل بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان التي لها أهمية استراتيجية وأمنية حيوية لدولة إسرائيل والاستقرار الإقليمي!

لو أردنا تحليل التوقيت الذي اختاره ترامب، لوجدنا أن ضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على واشنطن للاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان ليست سراً ولا جديدة، فقد أثار تلك الإمكانية في أول اجتماع له مع ترامب بالبيت الأبيض في فبراير/شباط 2017.

وفي الأيام القليلة الماضية، اصطحب نتنياهو وفداً من الكونغرس الأمريكي كان يزور إسرائيل إلى الجولان، ووقف يشرح لهم الأهمية الاستراتيجية للهضبة بالنسبة لأمن إسرائيل، مردداً المزاعم حول كونها جزءاً من «إسرائيل التاريخية»، ليعود الوفد إلى الولايات المتحدة ويطالب أفراده باتخاذ الخطوة التي أعلن عنها ترامب! ووردت تلميحات أمريكية في الشأن ذاته قبل أسبوع، عندما غيّرت وزارة الخارجيّة وصفها لتلك المرتفعات، واستبدلت وصفها بـ «المحتلّة» بعبارة «التي تسيطر عليها إسرائيل

الأمر نفسه تكرر مع وزير الخارجية مايك بومبيو، في زيارته الحالية لإسرائيل، وكان من المتوقع إقدام ترامب على تلك الخطوة في أثناء زيارة نتنياهو المقررة الأسبوع القادم، لمقابلة ترامب وإلقاء خطاب أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية-الإسرائيلية (أيباك)، فما هو الدافع وراء تعجيل ترامب بإلقاء القنبلة؟

موقف انتخابي متأزم
الإجابة عن السؤال واضحة، ويمكن قراءتها في التغطية الإعلامية الإسرائيلية لإعلان ترامب، حيث وصفت «هآرتس» الرئيس الأمريكي بـ «سانتا كلوز»، الذي هب لإنقاذ نتنياهو قبل انتخابات التاسع من أبريل/نيسان 2019.

فهناك إجماع في الصحافة الإسرائيلية على أن هذه الخطوة تمثل أقوى دعم علني يقدمه ترامب لمساعدة نتنياهو في سباق انتخابي محتدم قبل الانتخابات العامة، في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء اتهامات بالفساد.

نتنياهو بالطبع سعيد للغاية بهدية ترامب، وغرد قائلاً: «في وقت تسعى فيه إيران لاستخدام سوريا منصة لتدمير إسرائيل، يقْدم الرئيس ترامب بشجاعة على الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان. شكراً الرئيس ترامب!».

في السياق ذاته، دوافع ترامب في توقيت الإعلان دعماً لنتنياهو انتخابياً استدعت جماعة الضغط «جيه ستريت» الليبرالية اليهودية-الأمريكية لانتقاد تحرك ترامب، وقالت إن هذا الاعتراف الأمريكي السابق لأوانه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان خطوة استفزازية لا حاجة لها، وتنتهك القانون الدولي.

وقال جيريمي بن عامي رئيس الجماعة، لـ «رويترز»: «من الواضح أن هذه الخطوة التي اتخذها ترامب لا ترتبط بالمصالح الطويلة الأمد للولايات المتحدة أو إسرائيل، لكنها ترتبط أكثر بتقديم هدية سياسية أخرى إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؛ على أمل دعم فرصه في انتخابه لفترة جديدة الشهر المقبل (أبريل/نيسان 2019)».

الإعلان أيضاً سيساعد ترامب نفسه في تحسين موقفه بالمعسكر المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، خاصة بين أعضاء قاعدته من المسيحيين الإنجيليين قبل المؤتمر السنوي لـ «أيباك» (أقوى جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل) الأسبوع المقبل، بجسب تقرير لـ «رويترز» الجمعة 22 مارس/آذار 2019.

رفض ومخاوف من العواقب
إعلان ترامب يأتي كتحدٍّ مباشر وخطير للتوافق الدولي على رفض ضم أراضي الغير بالقوة، وذلك ما تضمنه القرار رقم 242 الصادر من مجلس الأمن بالإجماع عام 1967، والذي وافقت عليه واشنطن، وظلت تلك السياسة ثابتة رغم ضغوط الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

هذا القرار ينمُّ عن قِصر نظر سياسي بامتياز، لأنه مصمَّم في توقيته لأغراض انتخابية بحتة لمصلحة نتنياهو الآن وترامب لاحقاً، لكنه لن يغير من الأمر الواقع، فالجولان تحت سيطرة إسرائيل كأراضٍ محتلة، وهذا التحدي للمجتمع الدولي ستكون له أضراره على إسرائيل نفسها وعلى المنطقة ككل، بحسب روبرت مالي الذي عمل مستشاراً لباراك أوباما لشؤون الشرق الأوسط.

«إنه ينمُّ عن سياسة إدارة ترامب الأحادية تجاه الصراع في الشرق الأوسط، ويؤكد أن هدف تلك الإدارة ليس حلاً سلمياً لذلك الصراع بقدر ما هو توزيع المكافآت على حلفاء ومؤيدي ترامب»، أضاف مالي لـ «الغارديان«.

ومن المتوقع أن يتسبب إعلان ترامب في تعقيد خطط إدارته لطرح خطته للسلام بالشرق الأوسط -المعروفة بصفقة القرن – والتي طال انتظارها وربما ترى النور رسميا بعد الانتخابات الإسرائيلية.

ردود فعل رافضة
في هذا السياق، أعلنت روسيا وتركيا وإيران والاتحاد الأوروبي وسوريا وجامعة الدول العربية، رفضها القاطع لإعلان ترامب «تقنين احتلال الجولان بالقوة وضمها إلى إسرائيل»، وهي ردود فعل متوقعة تلقي بظلالها على قدرة الإدارة الأمريكية الحالية على حشد أي قدر من التأييد الدولي للقرار.

«النيويورك تايمز» عنونت تغطيتها لإعلان ترامب بالخطوة التي «ستدعم نتنياهو، لكنها تمثل خطورة كبيرة على الأوضاع في الشرق الأوسط«، تأكيداً لصعوبة تمرير تلك الخطوة، سواء من خلال انتزاع توافق دولي أو حتى ما يشبهه، وتحذيراً من مخاطر تقوية الرافضين لفكرة التطبيع مع إسرائيل في المنطقة.

تداعيات ما أعلنه ترامب، طبقاً لردود الفعل الأولية وما يراه المحللون، لن تكون محصورة في مضمون الموضوع فقط وهو ضم الجولان، ولكنها ستنسحب على ملفات أخرى كثيرة وشائكة.

فالرئيس السوري بشار الأسد سيستغل الموقف لتحويل الأنظار عن الاتهامات الموجَّهة إلى نظامه بارتكاب جرائم حرب ضد معارضيه طوال السنوات الثماني الماضية، محولاً الاهتمام إلى الجولان وما يحدث فيها.

الأيام القادمة، خصوصاً بعد الانتخابات الإسرائيلية، ستكشف أكثر عن تداعيات إعلان ترامب وتأثيراته على المشهد السياسي الدولي عموماً وعلى منطقة الشرق الأوسط بتحالفاتها المتشابكة وقضاياها المتفجرة.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *